تاريخ منظمات المجتمع المدني في العراق
د. وسن صاحب عيدان
العراق بلد الحضارة والعلم والتقدم الذي امتد وجوده الاف السنين, نظم فعالياته المختلفة بشكل منظم من خلال وضع اسس وقواعد تحكم اعمالها ومنها منظمات المجتمع المدني التي كان لها الدور البارز في الوضع السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي في كل المراحل, وحتى يمكن ان نثبت فهم واضح للتطور التاريخي لها لابد ان نتناولها على اساس المراحل التاريخية والطبيعة السياسية لكل مرحله بموضوعية وحياد.
الفرع الاول: من عام 1921-1958
تطورت مكونات المجتمع المدني الحديث في العـراق منذ إصلاحات مدحـت بـاشـا (1872)، وتواصلت في العهد الملكي (1921-1958)، بوتيرة متسارعة. وكانت في الواقع عملية تحديث لمجتمع زراعي انتقل من أشكال التنظيم لقرابيه التقليدية، كالقبائل والعشائر، وبيوتات الأشراف والأعيان، والأصناف الحرفية، إلى مجتمع يعتمد معايير الثروة والتعليم الحديث، من دون أن يفقد ماضيه التقليدي بالمرة. فهو مجتمع انتقالي، تتجاور فيه الطبقات الحديثة، مع الفئات التقليدية، وتقع بين الاثنتين فئات وسيطة تحمل شيئا من هذا وذاك. ترعرعت طبقة من التجار والصناعيين والمصرفيين والمقاولين في قطاع خاص، على أساس اقتصاد السوق، وباتت قوة مجتمعية يحسب لها حساب. كما نشأت، قبلها، طبقة قوية من كبار ملاك الأرض.
وأدت عمليات التحديث، أيضا، إلى نشوء طبقات وسطى تعتمد بالأساس التعليم الحديث، مثلما تعتمد على الملكية ورأس المال في جانب.
وتبلورت طبقات عاملة في الصناعات الحديثة، وطبقة فلاحية معدمة في الأرياف. بإزاء نشوء الثروة الاجتماعية كمجال مستقل نسبياً، نمت أيضا اتحادات وجمعيات وحركات اجتماعية، تعبر عن هذه المصالح، وتذوِد عنها، ضاغطة على المجال السياسي. وبموازاة ذلك أيضاً، ازدهرت بشكل نسبي صحافة ومجال معلوماتي غير حكومي. كان لتسلط الاقطاع وامتلاكه لكل وسائل الانتاج دور في موضوعة الحقوق المدنية التي امتلكوها بقوة, لذلك كان الظلم والاستبداد, والاشارات التاريخية سجلت تعسفهم والضيم الذي كان يعاني منه الانسان البسيط في مناطق جنوب العراق ووسطه وشماله.
وكانت اول اشاره رسمية وقانونية لشرعية تشكيل منظمات المجتمع المدني جاءت في القانون الأساسي العراقي لسنة 1925م فقد جاء في المادة الثانية عشر (أن للعراقيين حرية أبداء الرأي والنشر والاجتماع وتأليف الجمعيات والانضمام إليها ضمن حدود القانون) وهذه أول بادرة إلى تكوين منظمات مجتمع مدني, ومثلما كانت حقبة الضعف العثماني حقبة ازدهار للعمل السياسي، كانت بداية الاحتلال مناسبة لتشكيل تنظيمات سياسية جديدة، سرية وعلنية، وأعيد الاعتبار للحياة المدنية بعد ما انحسر ظل الدولة العثمانية عن العراقي وعند تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام ١٩٢١م واعلان النظام الملكي في العراق تأسست العديد من المنظمات في تلك الفترة سواء كانت طلابية ام نسائية ام نقابية الى وجود العديد من الجمعيات الخيرية والثقافية التي كانت تمارس نشاطها وفعالياتها وصدرت عدة قوانين تنظم عملها مثل قانون الجمعيات الذي صدر في العهد العثماني ثم صدر قانون عام ١٩٢٢وقانون ١٩٥٤ وقانون١٩٥٥.. وفي العقود المبكرة من العهد الملكي في العشرينات والثلاثينات -كانت العناصر المختلفة لطبقة ملاك الاراضي المسيطرة اجتماعياً -المشايخ والأغوات العشائرية و(السادة) العشائريون والحضريون، وفي الاربعينات والخمسينات رصدت هذه العناصر صفوفها مبنية مصالحها المشتركة في المواضيع الهامة كالضرائب والمناصب والدفاع عن النظام الاجتماعي الذين يجنون الفائدة.
إن الجمعيات والمؤسسات في تلك الفترة كانت خاضعة بشكل أو بآخر الى سلطة ورقابة الدولة ثم اصبحت تدريجياً امتداداً طبيعياً لمؤسسات السلطة السياسية 14),وفي فترة الثلاثينيات حيث كثرت الانقلابات العسكرية وتنامي الدور الوطني للحركات السياسية والصراع الحاصل بين الحكومة ومعارضتها , لم تحقق هذه الجمعيات او المؤسسات نجاحات حقيقية سواء في المجالات الثقافية او الاجتماعية كما إن النظام الذي كان يسيطر على مقاليد الحكم لم يكن نظاماً ديمقراطياً بل كان نظاماً ملكياً لم يفتح المجال لنشوء وتطور مجتمع مدني حقيقي في تلك الفترة أننا نرى أن هذه المرحلة شهدت بدايات حقيقيه للنقابات والجمعيات أكدت وجودها من خلال بروزها على مسرح الحياة السياسية ونضالها من اجل الجماهير ومن أبرز النقابات في تلك الفترة نقابة عمال السكايرة ونقابة النفط واتحادات الطلاب والفلاحين والمعلمين والمهن الاخرى التي ساهمت في الكثير من الانتفاضات الشعبية .
الفرع الثاني :العهد الجمهوري لغاية عام 2003م شهدت عدم الاستقرار السياسي الذي تمثل بالاغتيالات السياسية والانقلابات الفاشلة المتعددة، وثلاثة تغيرات ناجحة أدت الى تغييرات في النظام. وأعاقت بشكل كبير تنمية المجتمع المدني خلال هذه المرحلة . ان مصطلح العهد الجمهوري مضلل في الواقع. حيث هيمنت السياسة العسكرية على العراق طوال هذه الفترة، وقد تم تقديم القليل القليل في مجال تطوير المؤسسات الديمقراطية أو استعادة المجتمع المدني العراقي.
خلال المرحلة الجمهورية السابقة، تمكنت بعض المنظمات الوطنية القوية الحفاظ على مستوى معقول من الأحادية والاستقلال في وضعها وعملياتها ، مثل جمعية الهلال الأحمر العراقية وعدد من الجمعيات الثقافية والتعليمية.ويبدوا أن فرصة منظمات المجتمع المدني بالانتعاش والتطور اصيبت بالشلل النسبي نتيجة تدخل الدولة واحزاب السلطة على هيكليتها وتسير أعمالها حيث تم تجير نشاطاتها لهم, ورغم أن الفترة الجمهورية اقتصرت من الناحية القانونية على منظمات المجتمع المدني المهنية، إلا أنها بقيت ضعيفة ومشلولة أمام سلطة تنفيذية طاغية، هذا باستثناء بعض المحاولات لإثبات وجودها كما في الاضرابات النقابية في بغداد (عهد الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم قاسم) الذي شهد محاولة فاشلة (١٩٦٠) لإحياء منظمات المجتمع المدني في استمرار غياب الدستور الدائم، وكذلك المحاولات المحدودة التي ابدتها بعض المنظمات المهنية لتأكيد استقلالها في اجراءاتها الانتخابية (عهد العارفين) ,ونرى ان منظمات المجتمع كانت بحاجه لقوانين تشريعية يتضمنها دستور دائم للبلاد تتضمن عبارات واضحه تؤكد اولا استقلاليتها ورفض وصاية وهيمنة الدولة والاحزاب ثانيا ان هذه المنظمات كانت بحاجة لكوادر قيادية واعية تفهم اساليب وطرق العمل في هذه المنظمات وثالثا كان من المكمن التحري عن هذه المنظمات ومعرفة مصادر تمويلها لغرض سلامة عملها, رابعا ان الحروب الكثيرة التي مرت على العراق خلال هذه الفترة وانشغال المجتمع بالعسكرة اضعف لحد كبير نشاطها وفعالياتها التعبوية التي يفترض ان تصب في خدمة الانسان وتطلعاته المشروعة نحو الحياة المستقرة والأمنه.
الفرع الثالث: ما بعد 2003
مع كثرة وتعدد منظمات المجتمع المدني وتنوع نشاطاتها ألا انها لم تقم بدورها بشكل فعال في ازالة مخلفات نتاج سنين طويلة من المعاناة التي عاشها الانسان العراقي خلال المراحل السابقة, حيث كان هدف الكثير من هذه التجمعات هو الربح المادي على حساب النشاط النوعي ,ومع الاهتمام الكبير من قبل السلطات ألا اننا لم نلحظ فعلها الانساني على الارض. ومن أبرز ما تم تحقيقيه في هذا المجال هو (استحداث وزارة بإسم وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني، وذلك ضمن التشكيلة الحكومية الاولى بعد انتقال السيادة من سلطة الائتلاف المؤقتة الى العراقيين في الثلاثين من شهر حزيران ٢٠٠٤).حيث كان للوزارة دور بارز ومهم ومتابع وتطور نشاطها بشكل ملفت للنظر في فترة تسلم السيد المهندس علاء الصافي الوزير السابق لها حيث تحققت الكثير من الانجازات المهمة والاساسية لتثبيت أساسيات عملها. إن التحولات الأخيرة في المجتمع العراقي قد تركزت اثارها على صورة المشهد العراقي عموما وافرزت اوضاعاً جديدة شملت جميع مفاصل الحياة العامة ولقد كان تأثير هذه المتغيرات واضحاً وجلياً على المستويات المدنية (احزاب، واتحادات وجمعيات خيرية وانسانية).. وعلى الرغم من أن الكثير منها حديث العهد، ومازال في طور البداية، فإنه بشكل او بآخر نواة طبيعية لمتتاليات مجتمع مدني طوعي قادم في العراق (وسيكون له دور فاعل بلا ادنى شك في الحياة السياسية والديمقراطية في العراق)" وبالرغم من وجود أكثر من مؤسسة حكومية تعنى بشؤون مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في العراق كانت تعتبر وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني هي المؤسسة الحكومية الأساسية التي تُعنى بنشر ثقافة المجتمع المدني في العراق، وتعمل على تنظيم وتنسيق نشاطات مؤسسات ومنظمات وجمعيات وهيئات المجتمع المدني بشكل مباشر أو بواسطة مكتب مساعدة المنظمات غير الحكومية من أجل رسم برامج وخطط للتوظيف الأمثل لمؤسسات المجتمع المدني، ورفد أنشطتها بحيث تسهم في تعزيز برامج التنمية الشاملة في البلاد.
وتلعب وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني دورا في تسريع إجراءات لجنة قرار رقم (3) الصادر عن مجلس الحكم 2004 وهو القرار الذي ينظم عمل الاتحادات والنقابات والجمعيات المهنية حيث تم إطلاق أرصدة المنظمات غير الحكومية التي شُملت بالقرار(خطأ) لتشابه الأسماء، مضافا إلى إطلاق جزئي لأرصدة بعض الاتحادات والنقابات المشمولة بنص القرار إلى حين استكمال الإجراءات القانونية التي نص عليها القرار رقم (3).
وتقوم المؤسسات الحكومية الاتحادية والمحلية بدعم برامج مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية العاملة لدعم خطة فرض القانون والمصالحة الوطنية، ومكافحة الفساد الإداري، وتقديم الدعم الفني لها عن طريق إنشاء ورش عمل ، ودورات تدريبية ، وكذلك إشراكها في كل الندوات والمؤتمرات التي تقيمها مجالس المحافظات ولها علاقة بالمجتمع المدني، وعقد ندوات وورش للبحث عن طرق بديلة عن برنامج المجتمع المدني لتقديم المنح إلى المنظمات، والمباشرة بمشروع تدريب المنظمات على كتابة المشاريع وتقديم مشاريع لاستحصال دعم المنحة الدولية، ودعم وإسناد المنظمات الفاعلة وتوجيهها وإرشادها وإيجاد الفرص لتقديم المنح لها عن طريق التحرك على الجهات المانحة وتعريفهم لهم بهدف بناء القدرات التواصلية بين هذه المؤسسات، وفتح قنوات اتصال لمؤسسات المجتمع المدني ذات النشاط الواسع والمفيد بمؤسسات الدولة الرسمية كلما لزم الأمر, طبعا نتحدث عن فعالية الوزارة سابقا قبل قرار الغائها, لأنها كانت منسق فاعل لمعظم الفعاليات المدنية حيث يعطيها الشرعية القانونية ضمن الدستور.
وبعد حل الوزارة شكلت دائرة المنظمات غير الحكومية في الامانة العامة لمجلس الوزراء...والتي تصدت لعمل منظمات المجتمع المدني, ودائرة المنظمات غير الحكومية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء
هي إحدى الدوائر التابعة للأمانة العامة لمجلس الــوزراء والـمعنية بشؤون تسجـــيل المنظمــات غـير الحكـــوميــة (NGOs )، تأسست في وزارة التخطيط مركز تسجيل المنظمات غير الحكومية عام 2003 ثم انفصلت إلى مكتب مساعدة المنظمات غير الحكومية بالأمر (16) عام 2005 ،وبعدها تغير عنوانها الى دائرة المنظمات غير الحكومية بالأمر (122) سنة 2008 في أمانة مجلس الوزراء .
مهامها :
تتولى مهمة الاشراف والمتابعة على عمل المنظمات غير الحكومية بمجاليها الاداري والفني ، واصدار القرارات الفنية الخاصة بالمنظمات بموجب القانون رقم 12 لسنة 2010 ، وتتضمن هذه المهام ايضاً اعداد الخطط والبرامج لتطوير عمل الدائرة وملاكها لتقديم افضل الخدمات للحكومة والمجتمع على حد سواء ، ولذلك تعتبر الجهة المخولة بالإشراف على تسجيل المنظمات غير الحكومية ( المحلية وفروع المنظمات الاجنبية ) واتخاذ الاجراءات الكفيلة بتنسيق انشطتها والقيام بالتحقق المالي لسجلاتها لإعطائها الشرعية لممارسة انشطتها داخل العراق ..كما تعتبر جهة منسقة للعلاقة بين الدولة من جهة وبين المنظمات غير الحكومية والتي تقدم خدماتها للمجتمع عن طريق الدراسات والابحاث والخدمات الاجتماعية الاخرى من جهة اخرى ، وكذلك تقوم بمتابعة انشطة المنظمات غير الحكومية بغية التحقيق من امتثالها لبنود القانون رقم 12 لسنة 2010 ، وتقوم بالنشاطات واعداد التقارير الدورية لها من خلال حضور الندوات واللقاءات التي تقيمها تلك المنظمات واتخاذ الاجراءات القانونية بحق المنظمات غير الحكومية عند خرقها لأي بند من بنود القانون وتتعلق بالتعليق والالغاء.
وتتضمن مسؤوليات هذه الدائرة ما يأتي : ـ
1. الاشراف على تأسيس منظمات غير حكومية وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات الدائرة واعطائها رقم تسجيل خاص والذي يعتبر الرقم التعريفي لتلك المنظمات والتي يتيح لها ممارسة انشطتها داخل العراق .
2. التأكد من استيفاء الطلبات المقدمة للنواحي الشكلية والقانونية والمالية المطلوبة لتسجيل تلك المنظمات والقوانين التي ستصدرها لاحقاً والمنظمة لعمل المنظمات غير الحكومية .
3. تزويد المنظمات المحلية والاجنبية بكتب رسمية تمنحها شرعية مزاولة مهامها في العراق .
4. متابعة انشطة المنظمات من خلال الاشراف على اعداد الدراسات والبحوث المقدمة.
5. التنسيق مع الجهات الامنية داخل العراق بهدف متابعة تحركات وانشطة تلك المنظمات والتأكد من سلوكها في الاتجاه الصحيح .
6. اعلام الجهات المختلفة بقانونية تسجيل المنظمات وذلك من خلال الرجوع إلى قاعدة البيانات المعدة من قبل الدائرة والتي تحوي كافة بيانات المنظمة او اي معلومات اخرى تخصها .
7. تدقيق الحسابات المالية للمنظمات بشكل مباشر والتحقق من مصادر التمويل وشرعيتها وكذلك مبالغ التمويل ومقارنة تلك المبالغ مع الانشطة المقدمة من قبل تلك المنظمات والتحقق من قانونيتها وموضوعيتها والتأكد من مراجعة كافة الحسابات من قبل مكاتب المحاسبين القانونيين المجازين قبل تقديمها للدائرة بالشكل النهائي .
8. الاطلاع على التقارير الدورية المقدمة من قبل المراكز التنسيقية في المحافظات حول انشطة المنظمات التي تقع ضمن الرقع الجغرافية لتلك المراكز .
9. تحديث قاعدة البيانات الخاصة بالمنظمات غير الحكومية من خلال ادخال كافة المتغيرات التي تحدث .
10 .اتخاذ الاجراءات اللازمة بحق المنظمات التي تخالف شروط التسجيل او امتناعها عن تقديم الحسابات المالية او اي مستمسكات او تقارير تطلب من قبل الدائرة اثناء عملية التدقيق على انشطة تلك المنظمات.
- Teacher: وسن صاحب عيدان